شهر رمضان وصلة الأرحام

عرض المقال
شهر رمضان وصلة الأرحام
363 زائر
07-08-2011
سعيد عامر
شهر رمضان وصلة الأرحام
سعيد عامر - أمين عام لجنة الفتوى بالازهر الشريف
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فشهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن هدًى للناس وبيناتٍ من الهدى والفرقان، شهر محفوف بالرحمة والمغفرة والعتق من النار. شهر يعظم الله فيه الأجر ويجزلُ المواهب، ويفتحُ أبواب الخير فيه لكل راغب، شهر الخيرات والبركات، شهر المنح والهبات. وقد فرض الله على عباده آدابًا واجبة لا بد للمسلم أن يأتي بها حتى يكملَ له دينه. ومن أهمها صلة الأرحام، التي هي من أعظم الواجبات الإسلامية.
والإسلام دين المودة والمحبة، ودين الألفة والاجتماع، ودين التكافل والترابط بين البشر، فكلهم لآدم، وكلهم من ذكر وأنثى، وإذا كان هذا مطلوبًا في كل حال فإنه يكون أعظم وأشد طلبًا في رمضان.
وإذا كان المجتمع الإسلامي يشبه البنيان، كان التماسك بين لبناته أساس قوته وصلابته وزيادة نفعه، وطول بقائه، وكما يبدأ البنيان بلبنتين، ثم ثلاث، ثم أربع.. إلخ. إلى أن يكتمل الأمر بصلة الرحم، ثم الأمر بالإحسان، ومن مبادئ الإسلام الاجتماعية الأولى تشبيك جماعات المسلمين في وحدة جسدية جماعية.
وأولى الناس بذلك الأقرب رحمًا، فلهم حق أخوة الإسلام، ولهم حق قرابة الرحم. إن الإسلام لا يَهْدِف مجتمعًا متقاتلاً متباغضًا، بل لا يهدف مجتمعًا سالمًا متباعدًا، بل يهدف مجتمعًا متكافلاً، متواصلاً، متحابًّا، متفاعلاً، كمثل اليدين، تغسل إحداهما الأخرى، وتعين إحداهما الأخرى، وكمثل البنيان يشد بعضه بعضًا، وكالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
ويبدأ المجتمع بصلة الأقارب وذوي الأرحام، وللطاعات آثار محبوبة، وللمعاصي آثار مبغوضة، والتبصير بالمنافع والأضرار في العواقب مهمة الناصح الأمين، فقطيعة الرحم تنذر بقطع الله تعالى خيره عن القاطع، وصلة الرحم تعد بصلة الله تعالى للواصل، ومن هنا أردت أن أتحدث عن مفهوم الرحم، ومكانة صلة الرحم، وفضل صلة الأرحام، وعقوبة قاطع الرحم.
أولاً: مفهوم الرحم
الرحم – بفتح الراء وكسر الحاء – في الأصل رحم المرأة، وهو بيت منبت ولدها ووعائها، ثم استعير للقرابة، لكونهم خارجين من رحم واحدة، ويقال للأقارب: ذو رحم، كما قال لهم: أرحام. والمراد بالأرحام في الاصطلاح: جميع الأقارب ما عدا الأب والأم، وهم كل من بينه وبينك نسب، سواء أكان ورثة أم لا، وسواء أكان ذا محرم أم لا.
ثانيًا: حكم صلة الأرحام
ذكر القرطبي في تفسيره: اتفاق الأمة على حرمة قطع الرحم، ووجوب صلتها، ولا ينبغي التوقف في كون القطع كبيرة. والمراد بصلة الرحم: الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار والعطف عليهم والرفق بهم ورعاية أحوالهم، وزيارتهم، وتفقد أحوالهم، وإكرامهم والإهداء إليهم، والتصدق على فقيرهم باعتباره أحق من الفقير البعيد، وتكون كذلك بتعهد مرضاهم ومشاركتهم في مسراتهم ومواساتهم في أحزانهم، وتقديمهم على غيرهم في كل أمورهم.
والنصوص آمرة بالصلة، ناهية عن القطيعة ولا واسطة بينهما. والصلة إيصال نوع من الإحسان، كما فسرها بذلك غير واحد، فالقطيعة ضدها، فهي ترك الإحسان، وقال القاضي عياض: الصلة درجات، بعضها أرفع من بعض، وأدناها ترك المهاجرة، وصلتها بالكلام، ولو بالسلام، ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة، فمنها واجب ومنها مستحب، ولو وصل بعض الصلة، ولم يصل غايتها، لا يسمى قاطعًا، ولو قصر عما يقدر عليه وعما ينبغي له، لا يسمى واصلاً.
ثالثًا: مكانة صلة الأرحام
صلة الأرحام تحتل مكانة عظيمة، فهي من أوائل ما نزل من التشريع في الإسلام، والآيات المكية تدل على ذلك والأحاديث النبوية الصحيحة.
روى الإمام مسلم (832) من حديث عمرو بن عبسة السلمي رضي الله عنه قال: كنت وأنا في الجاهلية أظن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارًا، فقعدت على راحلتي فقدمت عليه، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفيًا، جُرَءَاءُ عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة، فقلت: ما أنت؟
قال: أنا نبي. فقلت: وما نبي؟ قال: «أرسلني الله». فقلت: بأي شيء أرسلك. قال: «أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يُوحد الله لا يشرك به». قلت: فمن معك على هذا؟ قال: «حر وعبد». ومعه يومئذ أبو بكر وبلال. فقلت: إني متبعك. قال: «إنك لن تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس، ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي ظهرت فأتني». وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصل الناس للرحم، فكان يحب أقاربه حبًّا جمًّا، ومما يدل على ذلك قصة بدء الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم، وهي ثابتة في الصحيحين من حديث عروة بن الزبير، فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصادقة في النوم... حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك، فقال: اقرأ. فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فقال: زملوني زملوني، فزملوه، حتى ذهب عنه الروع، ثم قال لخديجة: أي خديجة ما لي؟ لقد خشيت على نفسي، وأخبرها الخبر، فقالت: كلا أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. [متفق عليه] وفي غزوة أحد قاتل حمزة بن عبد المطلب قتالاً شديدًا، وكان وحشي، غلام جبير بن مطعم، له بالمرصاد، وحمل وحشي على حمزة بحربته، فوقع شهيدًا رضي الله عنه، وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأثناء تفقّد النبي صلى الله عليه وسلم للشهداء، يقف النبي صلى الله عليه وسلم أمام عمه حمزة، وقد مثّلوا به، وحلفت هند أن تأكل كبده، وكان هذا أغيظ موقف في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: «رحمة الله عليك، إن كنت ما علمتك إلا وصولاً للرحم، فعولاً للخيرات». ثم قال: «والله لأمثلن بسبعين منهم». فنزل القرآن: «وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين * واصبر وما صبرك إلا بالله» [النحل: 126، 127]. [الحاكم (3/218) وصححه، وضعفه الذهبي].
فعندما مدح النبي صلى الله عليه وسلم حمزة، مدحه لصلته للرحم، ولما أسلم وحشي في السنة التاسعة، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اجلس وقص عليَّ كيف قتلت حمزة» [الطبراني في الأوسط 1800]. ما نسي النبي صلى الله عليه وسلم حمزة، مع أنه قُتل في السنة الثالثة من الهجرة، ووحشي أسلم في السنة التاسعة للهجرة.
وكذا حب النبي صلى الله عليه وسلم لجعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وعند عودته من بلاد الحبشة، قام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبَّله... وفرح بقدومه كفرحه بالانتصار على يهود خيبر، وقال: «لست أدري بأيهما أُسَرُّ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر» [الحاكم (2/682) وصححه ووافقه الذهبي وصححه الألباني]. وضع فرحته صلى الله عليه وسلم بقدوم جعفر مساوية لفرحته بالنصر على اليهود في خيبر.
وقد التزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فضيلة صلة الرحم، إيمانًا منهم بثوابها العظيم عند الله؛ لأن أفضل الصدقة وأفضل أعمال البر هو ما كان منها على الأرحام وما وجد فيهم ذو حاجة.
ومن لطائف الشريعة الإسلامية أن الصدقة على المسكين غير القريب تحسب صدقة، أما الصدقة على ذي الرحم فتحسب باثنين، صدقة وصلة، روى الترمذي بإسناد حسن عن سلمان بن عامر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة» [أحمد والترمذي وابن ماجه وصححه الألباني].
بل إن الشريعة الإسلامية تحث على الصدقة والإحسان والهدية مع ذي الرحم الكاشح، أي الذي يضمر العداوة، عسى أن يعود ويرجع عن بغضه، إلى مودة قريبه ومحبته، فعن أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الصدقة؛ الصدقة على ذي الرحم الكاشح» [أحمد والطبراني وصححه الألباني]..
وعن أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها أنها أعتقت وليدة ولم تستأذن النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه، قالت: أشعرت يا رسول الله أني أعتقت وليدتي؟ قال: «أو فعلت؟» قلت: نعم. قال: «أما إنكِ لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك» [متفق عليه].
فيظهر من هذا الحديث أن أخوال أم المؤمنين ميمونة كانوا ذا حاجة، أو أن صلتها لهم تؤلف قلوبهم وتجبر خواطرهم. ومن لطيف ما يروى أنه جرت بين محمد ابن الحنفية وأخيه الحسن بن علي رضي الله عنهما، جفوة، فانصرفا متغاضبين، فلما وصل محمد إلى بيته أخذ ورقة وكتب فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن علي بن أبي طالب، إلى أخيه الحسن بن علي بن أبي طالب أما بعد: فإن لك شرفًا لا أبلغه، وفضلاً لا أدركه، فإذا قرأت رقعتي هذه فالبس رداءك ونعليك، وسر إليّ فترضني، وإياك أن أكون سابقك إلى الفضل الذي أنت أولى به مني، والسلام.
فلما قرأ الحسن الرقعة لبس رداءه ونعليه، ثم جاء إلى أخيه محمد فترضاه، وفي رواية: «وإن أمك فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمي امرأة من بني حنيفة، فوالله لو أن ملء الأرض من مثل أمي ما عدلن أمك، فإذا بلغك كتابي هذا فاحضر إليَّ لتترضاني، فإنك أحق بالفضل مني.. فما أن بلغ الكتاب إلى الحسن، حتى بادر إلى أخيه وترضاه».
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة نخلاً، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماءٍ فيها طيب، فلما نزلت: «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون» [آل عمران: 92]، قام أبو طلحة، فقال: يا رسول الله إن الله يقول: «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون»، وإن أحب أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برَّها وذُخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بخ بخ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين». قال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. [متفق عليه].
وعن زينب الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تصدقن يا معشر النساء ولو من حُلِيكن». قالت: فرجعت إلى عبد الله بن مسعود، فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرنا بالصدقة، فأته فاسأله، فإن كان ذلك يجزي عني، وإلا صرفتها إلى غيركم، تريد بذلك إعطاء صدقتها إلى زوجها إذا كان هذا جائزًا. فقال عبد الله: بل ائته أنتِ.
قالت زينب: فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجتي حاجتها، قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ألقيت عليه المهابة، قالت: فخرج بلال فقلنا له: ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما، وعلى أيتام في حجورهما، ولا تخبره من نحن. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لهما أجران، أجر القرابة، وأجر الصدقة».
فإذا كانت هذه منزلة صلة الأرحام وقدرها في الإسلام في كل وقت، فهي في رمضان - شهر العبادات والقربات - أعظم عند الله تعالى، لأن هذه العبادات قد لا ترفع عند الله ولا تقبل إذا كان المسلم قاطعًا لرحمه، وإذا كان المتهاجران من غير ذوي القرابة لا ترفع لهم أعمال، فإن ذوي الأرحام هجرهم أعظم وزرًا، وأشد خطرًا على المسلم.
نسأل الله أن يتقبل صيامنا، وأن يعيننا على صلة أرحامنا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. وللحديث بقية في العدد القادم، إن شاء الله تعالى.
   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
9 + 4 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المقال السابقة
المقالات المتشابهة المقال التالية
جديد المقالات
جديد المقالات
من فوائد صلاة الفجر - ركــــن الـمـقـالات
فوائد وثمرات الاستغفار - ركــــن الـمـقـالات
المخرج من التيه - أحمد سليمان
روح الأمة - الشيخ عبد الله بن عبد العزيز
بطاقة تعريف
القائمة الرئيسية
القائمة البريدية

أدخل بريدك الالكتروني لتصلك آخر اخبارنا
عدد الزوار
انت الزائر :129542
[يتصفح الموقع حالياً [ 2
الاعضاء :0 الزوار :2
تفاصيل المتواجدون
تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
مواقع صديقة
البحث
البحث في